بتعهدات لافتة وآمال مفتوحة، يراهن «مجلس السلام» على غزة جديدة غير المعروفة بالحروب والدمار والقتل، في إطار مؤسَّسي لتحقيق السلام في القطاع، كنواة لنشر السلام في المنطقة بأَسرها، ليشكل آلية للسلام في الشرق الأوسط تتمتع بثقة المجتمع الدولي، وفاعلية في وقف الصراعات وتمهيد ميادين القتال إلى ساحات للتنمية والازدهار.

لقد انعقد «مجلس السلام» في واشنطن، معلناً انطلاقة جديدة لقطاع غزة تقوم على تأمين سبل الاستقرار وإعادة الإعمار بعد الحرب المدمرة، لننتقل في مسار تدريجي قادر على جلب الاستقرار في الشرق الأوسط، ولاسيما إذا نجح التحول في جعل غزة مكاناً أفضل للسكان، بمنظومة حكم تعزّز السلام، وتحقق الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وتشرع في عملية إعادة الإعمار لنحو مليونَي غزّي في القطاع.

ولهذا، يُركّز «مجلس السلام» على نزع السلاح، وإعمار غزة، ونشر قوات الاستقرار، وتمكين لجنة إدارة القطاع، وتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، والتهدئة في الضفة الغربية، كملفات أساسية في الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً، وقد برز في هذا الصدد تمويل إعادة الإعمار لإعادة بناء القطاع، وساهمت الولايات المتحدة الأميركية بقيمة 10 مليارات دولار لتمويل إعادة إعمار غزة، فيما تعهّدت دول ومنظمات بأكثر من سبعة مليارات دولار، منها دولة الإمارات بمبلغ 1.2 مليار دولار، وقطر والسعودية والكويت لكلٍّ منها مليار دولار، كبداية لخطة ضخمة قد تتكلف نحو 70 مليار دولار، لإعادة القطاع إلى الحياة.

 

ويقف ملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية كاختبار صعب لمجلس السلام، وخطة ترامب لغزة ذات النقاط العشرين، في وقت تربط فيه الولايات المتحدة وإسرائيل إعادة الإعمار بنزع سلاح غزة، وحتى انسحاب القوات الإسرائيلية من أجزاء واسعة من القطاع بنزع السلاح، والتحدي يتمثل في آليات نزع السلاح وفاعلية قوة الاستقرار الدولية في استقرار القطاع بعد الاعتماد عليها، ولاسيّما أن الفصائل الفلسطينية ملتزمة بخطة السلام، التي يمثّل نزع السلاح جزءاً أساسياً فيها، غير أن كيفية تحجيم القوات المنتشرة في أجزاء واسعة بالقطاع، وضمان استدامة وقف إطلاق النار، لا باختراقه بين الحين والآخر وقتما يحدّد أحد الأطراف العودة إلى الأدوات العسكرية، تبقى تحديات في طور الاختبار.

وقد استقر الأمر على تولّي إندونيسيا قيادة قوة الاستقرار، مع تعهدات من المغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا وتركيا بمشاركة قوات، وبالفعل فتح باب الانتساب لقوات الشرطة، وسُجِّلت آلاف الطلبات للتطوع في قطاع غزة، وتَعِدُ مصر والأردن بتدريب عناصر الشرطة، لتكتمل بذلك مبادرة «مجلس السلام» لتغيير قطاع غزة، ويبقى الفعل على الأرض في تنفيذ السياسات وشكل الحياة على الأرض هو ما يحدد شكل مستقبل القطاع.

إن «مجلس السلام» يشرف على إدارة المرحلة الانتقالية وتنسيق جهود إعادة الإعمار والمساعدات الدولية، وإعداد الترتيبات الأمنية ونشر قوة استقرار دولية داخل غزة، ونجاح المسار المطروح مرهون بقدرة الأطراف على تجاوز الحواجز الإنسانية والأمنية والسياسية، وترجمة الوعود المالية إلى واقع على الأرض بلا عوائق أو شروط تُخرجها عن سياق ما خصصت من أجله، وعدم حصر قطاع غزة في أزمة إنسانية وأمنية، بمعالجة كل القضايا في القطاع وإعادة السكان إلى حياة طبيعية تتجاوز التعقيدات في الميدان والحروب المتواصلة على مدار سنوات طويلة، وإعادة طرح إقامة الدولة الفلسطينية على طاولة الحوار الدولي، لدعم مسار سياسي للسلام.

وفي النهاية، يجمع «مجلس السلام» الشركاء الدوليين والإقليميين على رؤية مستقبل أفضل لقطاع غزة، باتخاذ خطوات عملية في إزالة عقبات العمليات الإنسانية، وضمان ألا تنفَّذ غارات أو قصف على غزة، وبدء إعادة الإعمار، وبثّ الأمل في غزة وسكانها حتماً سيضع الأسس لسلام حقيقي في الشرق الأوسط، ووجه جديد لغزة في آفاق التنمية، مصحوباً باستدامة الاستقرار.

*باحث – مدير إدارة التسويق/ مركز تريندز للبحوث والاستشارات.